فصل: تفسير الآيات رقم (1- 10)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الماوردي المسمى بـ «النكت والعيون» ***


سورة البروج

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ‏(‏1‏)‏ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ‏(‏2‏)‏ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ‏(‏3‏)‏ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ‏(‏4‏)‏ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ‏(‏5‏)‏ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ‏(‏6‏)‏ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ‏(‏7‏)‏ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ‏(‏8‏)‏ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏9‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ‏(‏10‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏والسماءِ ذاتِ البُروجِ‏}‏ هذا قَسَمٌ، وفي البروج أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ ذات النجوم، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ ذات القصور، قاله ابن عباس‏.‏

الثالث‏:‏ ذات الخلْق الحسن، قاله المنهال بن عمرو‏.‏

الرابع‏:‏ ذات المنازل، قاله يحيى بن سلام وهي اثنا عشر برجاً رصدتها العرب والعجم، وهي منازل الشمس والقمر‏.‏

‏{‏واليومِ الموْعُودِ‏}‏ روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوم القيامة، وسمي بذلك لأنهم وعدوا فيه بالجزاء بعد البعث‏.‏

‏{‏وشاهدٍ ومَشْهودٍ‏}‏ فيه خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، روى ذلك أبو عرفة، روى ذلك أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

الثاني‏:‏ أن الشاهد يوم النحر، والمشهود يوم عرفة، قاله إبراهيم‏.‏

الثالث‏:‏ أن الشاهد الملائكة، والمشهود الإنسان، قاله سهل بن عبد الله‏.‏

الرابع‏:‏ أن الشاهد الجوارح، والمشهود النفس، وهو محتمل‏.‏

الخامس‏:‏ أن المشهود يوم القيامة‏.‏

وفي الشاهد على هذا التأويل خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ هو الله تعالى، حكاه ابن عيسى‏.‏

الثاني‏:‏ هو آدم عليه السلام، قاله مجاهد‏.‏

الثالث‏:‏ هو عيسى ابن مريم، رواه ابن أبي نجيح‏.‏

الرابع‏:‏ هو محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن بن علي وابن عمر وابن الزبير، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكيفَ إذا جِئْنا من كلِّ أمَّةٍ بشهيد وجئْنَا بِك على هؤلاءِ شَهيداً‏}‏‏.‏

الخامس‏:‏ هو الإنسان، قاله ابن عباس‏.‏

‏{‏قُتِل أصحابُ الأُخْدُودِ‏}‏ قال الفراء‏:‏ هذا جواب القسم، وقال غيره‏:‏ الجواب ‏{‏إنّ بَطْشَ ربِّكَ لَشديدٌ‏}‏ والأخدود‏:‏ الشق العظيم في الأرض، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجاري الدموع فيه، والمخدّة لأن الخد يوضع عليها، وهي حفائر شقت في الأرض وأوقدت ناراً وألقي فيها مؤمنون امتنعوا من الكفر‏.‏

واختلف فيهم، فقال عليّ‏:‏ إنهم من الحبشة، وقال مجاهد‏:‏ كانوا من أهل نجران، وقال عكرمة كانوا نبطاً، وقال ابن عباس‏:‏ كانوا من بني إسرائيل، وقال عطية العوفي‏:‏ هم دانيال وأصحابه، وقال الحسن‏:‏ هم قوم من أهل اليمن، وقال عبد الرحمن بن الزبير‏:‏ هم قوم من النصارى كانوا بالقسطنطينية زمان قسطنطين، وقال الضحاك‏:‏ هم قوم من النصارى كانوا باليمن قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، أخذهم يوسف بن شراحيل بن تُبَّع الحميري وكانوا نيفاً وثمانين رجلاً، وحفر لهم أخدوداً أحرقهم فيه، وقال السدي‏:‏ الأخدود ثلاثة‏:‏ واحد بالشام وواحد بالعراق، وواحد باليمن‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏قُتِل أصحابُ الأُخْدُودِ‏}‏ وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أُهلك المؤمنون‏.‏

الثاني‏:‏ لُعن الكافرون الفاعلون، وقيل إن النار صعدت إليهم وهم شهود عليها فأحرقتهم، فلذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلهُم عذابُ جهنَّمَ ولهْم عذابُ الحريق‏}‏ يعني في الدنيا‏.‏

‏{‏وهُمْ على ما يَفْعلونَ بالمؤمنينَ شُهودٌ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن أصحاب الأخدود هم على عذاب المؤمنين فيها شهود، وهو ظاهر من قول قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم شهود على المؤمنين بالضلال، قاله مقاتل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 22‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ‏(‏11‏)‏ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ‏(‏12‏)‏ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ‏(‏13‏)‏ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ‏(‏14‏)‏ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ‏(‏15‏)‏ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ‏(‏16‏)‏ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ‏(‏17‏)‏ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ‏(‏18‏)‏ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ‏(‏19‏)‏ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ‏(‏20‏)‏ بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ ‏(‏21‏)‏ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏إنه هو يُبْدِئ ويُعيدُ‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ يحيى ويميت، قاله ابن زيد‏.‏

الثاني‏:‏ يميت ثم يحيى، قاله السدي‏.‏

الثالث‏:‏ يخلق ثم يبعث، قاله يحيى بن سلام‏.‏

الرابع‏:‏ يبدئ العذاب ويعيده، قاله ابن عباس‏.‏

ويحتمل خامساً‏:‏ يبدئ ما كلف من أوامره ونواهيه، ويعيد ما جزى عليه من ثواب وعقاب‏.‏

‏{‏وهو الغَفورٌ الوَدُودُ‏}‏ في الغفور وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ الساتر للعيوب‏.‏

الثاني‏:‏ العافي عن الذنوب‏.‏

وفي الودود وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ المحب‏.‏

الثاني‏:‏ الرحيم‏.‏

وفيه ثالث‏:‏ حكاه المبرد عن اسماعيل بن إسحاق القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له، وأنشد قول الشاعر‏:‏

وأرْكبُ في الرّوْع عُريانةً *** ذلول الجناح لقاحاً وَدُوداً

أي لا ولد لها تحن إليه، ويكون معنى الآية أنه يغفر لعباده، وليس ولد يغفر لهم من أجله، ليكون بالمغفرة متفضلاً من غير جزاء‏.‏

‏{‏ذو العَرْشِ المجيدُ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ الكريم، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ العالي، ومنه المجد لعلوه وشرفه‏.‏

ثم فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه من صفات الله تعالى، وهو قول من قرأ بالرفع‏.‏

الثاني‏:‏ أنه من صفة العرش، وهو قول من قرأ بالكسر‏.‏

ويحتمل إن كان صفة للعرش وجهاً ثالثاً‏:‏ أنه المحكم‏.‏

‏{‏بل هو قُرآنٌ مَجِيْدٌ في لَوْحٍ مَّحفوظٍ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن اللوح هو المحفوظ عند الله تعالى، وهو تأويل من قرأ بالخفض‏.‏

الثاني‏:‏ أن القرآن هو المحفوظ، وهو تأويل من قرأ بالرفع وفيما هو محفوظ منه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ من الشياطين‏.‏

الثاني‏:‏ من التغيير والتبديل‏.‏

وقال بعض المفسرين‏:‏ إن اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرؤونه‏.‏

سورة الطارق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ‏(‏1‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ‏(‏2‏)‏ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ‏(‏3‏)‏ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ‏(‏4‏)‏ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ‏(‏5‏)‏ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ‏(‏6‏)‏ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ‏(‏7‏)‏ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ‏(‏8‏)‏ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ‏(‏9‏)‏ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ‏(‏10‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏والسماءِ والطارقِ‏}‏ هما قسمَان‏:‏ «والسماءِ» قَسَمٌ، «والطارقِ» قَسَمٌ‏.‏

«الطارق» نجم، وقد بيّنه الله تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏وما أدْراكَ ما الطارقُ * النجْمُ الثّاقبُ‏}‏ ومنه قول هند بنت عتبة‏:‏

نحْنُ بنات طارِق *** نمْشي على النمارق

تقول‏:‏ نحن بنات النجم افتخاراً بشرفها، وإنما سمي النجم طارقاً لاختصاصه بالليل، والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقاً، قال الشاعر‏:‏

ألا طَرَقَتْ بالليلِ ما هجَعوا هندُ *** وهندٌ أَتى مِن، دُونها النأيُ والصَّدّ

وأصل الطرق الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمي قاصد الليل طارقاً لاحتياجه في الوصول إلى الدق‏.‏

وفي قوله «النجم الثاقب» ستة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ المضيء، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ المتوهج، قاله مجاهد‏.‏

الثالث‏:‏ المنقصّ، قاله عكرمة‏.‏

الرابع‏:‏ أن الثاقب الذي قد ارتفع على النجوم كلها، قاله الفراء‏.‏

الخامس‏:‏ الثاقب‏:‏ الشياطين حين ترمى، قاله السدي‏.‏

السادس‏:‏ الثاقب في مسيره ومجراه، قاله الضحاك‏.‏

وفي هذا النجم الثاقب قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه زُحل، قاله عليّ‏.‏

الثاني‏:‏ الثريّا، قاله ابن زيد‏.‏

‏{‏إن كُلُّ نفْسٍ لّما عليها حافِظٌ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ «لّما» بمعنى إلاّ، وتقديره‏:‏ إنْ كل نفس إلاَّ عليها حافظ، قاله قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ أن «ما» التي بعد اللام صله زائدة، وتقديره‏:‏ إن كل نفس لعليها حافظ، قاله الأخفش‏.‏

وفي الحافظ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ حافظ من الله يحفظ عليه أجله ورزقه، قاله ابن جبير‏.‏

الثاني‏:‏ من الملائكة يحفظون عليه عمله من خير أو شر، قاله قتادة‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ أن يكون الحافظ الذي عليه عقله، لأنه يرشده إلى مصالحه، ويكفّه عن مضاره‏.‏

‏{‏يَخْرُجُ مِنْ بَيْن الصُّلْبِ والتّرائِب‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ من بين صلب الرجل وترائبه، قاله الحسن وقتادة‏.‏

الثاني‏:‏ بمعنى أصلاب الرجال وترائب النساء‏.‏

وفي الترائب ستة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه الصدر، قاله ابن عياض، ومنه قول دريد بن الصمة‏.‏

فإنَّ تُدْبروا نأخذكُم في ظهوركم *** وإنْ تُقْبِلُوا نأخذكُم في الترائب

الثاني‏:‏ ما بين المنكبين إلى الصدر، قاله مجاهد‏.‏

الثالث‏:‏ موضع القلادة، قاله ابن عباس، قال الشاعر‏:‏

والزعفران على ترائبها *** شرق به اللّباتُ والنحْرُ

الرابع‏:‏ أنها أربعة أضلاع من الجانب الأسفل، قاله ابن جبير، وحكى الزجاج أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر‏.‏

الخامس‏:‏ أنها بين اليدين والرجلين والعينين، قاله الضحاك‏.‏

السادس‏:‏ هي عصارة القلب، قاله معمر بن أبي حبيبة‏.‏

‏{‏إنّه على رَجْعِهِ لقادرٌ‏}‏ فيه خمسة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ على أن يرد المني في الإحليل، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ على أن يرد الماء في الصلب، قاله عكرمة‏.‏

الثالث‏:‏ على أن يرد الإنسان من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة، قاله الضحاك‏.‏

الرابع‏:‏ على أن يعيده حيّاً بعد موته، قاله الحسن وعكرمة وقتادة‏.‏

الخامس‏:‏ على أن يحبس الماء فلا يخرج‏.‏

ويحتمل سادساً‏:‏ على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه في الآخرة لأن الكفار يسألون الله فيها الرجعة‏.‏

‏{‏يومَ تُبْلَى السّرائرُ‏}‏ أي تَظْهَر‏.‏

ويحتمل ثانياً‏:‏ أن تبتلى بظهور السرائر في الآخرة بعد استتارها في الدنيا‏.‏

وفيها قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ كل ما استتر به الإنسان من خير وشر، وأضمره من إيمان أو كفر، كما قال الأحوص‏:‏

ستُبلَى لكم في مُضْمَرِ السِّرِّ والحشَا *** سَريرةُ ودٍّ يومَ تُبلَى السرائرُ‏.‏

الثاني‏:‏ هو ما رواه خالد عن زيد بن أسلم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الأمانات ثلاث‏:‏ الصلاة والصوم والجنابة، استأمن الله ابن آدم على الصلاة، فإن شاء قال‏:‏ قد صليت ولم يُصلّ، استأمن الله ابن آدم على الصوم، فإن شاء قال‏:‏ قد صمت ولم يصم، استأمن الله ابن آدم على الجنابة، فإن شاء قال‏:‏ قد اغتسلت ولم يغتسل، اقرؤوا إن شئتم‏:‏» يوم تُبْلى السّرائرُ «‏.‏

‏{‏فما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصَرٍ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن القوة العشيرة، والناصر‏:‏ الحليف، قاله سفيان‏.‏

الثاني‏:‏ فما له من قوة في بدنه، ولا ناصر من غيره يمتنع به من الله، أو ينتصر به على الله، وهو معنى قول قتادة‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ فما له من قوة في الامتناع، ولا ناصر في الاحتجاج‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 17‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ‏(‏11‏)‏ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ‏(‏12‏)‏ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ‏(‏13‏)‏ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ‏(‏14‏)‏ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ‏(‏15‏)‏ وَأَكِيدُ كَيْدًا ‏(‏16‏)‏ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏والسماءِ ذاتِ الّرجْعِ‏}‏ فيه أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ ذات المطر، لأنه يرجع في كل عام، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني ذات السحاب، لأنه يرجع بالمطر‏.‏

الثالث‏:‏ ذات الرجوع إلى ما كانت، قاله عكرمة‏.‏

الرابع‏:‏ ذات النجوم الراجعة، قاله ابن زيد‏.‏

ويحتمل خامساً‏:‏ ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد، وهذا قَسَمٌ‏.‏

‏{‏والأرضِ ذاتِ الصّدْعِ‏}‏ فيها أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ ذات النبات لانصداع الأرض عنه، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ ذات الأودية، لأن الأرض قد انصدعت بها، قاله ابن جريج‏.‏

الثالث‏:‏ ذات الطرق التي تصدعها المشاة، قاله مجاهد‏.‏

الرابع‏:‏ ذات الحرث لأنه يصدعها‏.‏

ويحتمل خامساً‏:‏ ذات الأموات، لانصداعها عنهم للنشور وهذان قسمان‏:‏

‏{‏إنّهُ لَقَولٌ فَصْلٌ‏}‏ على هذا وقع القَسَمُ، وفي المراد بأنه قول فصل قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ ما قدّمه عن الوعيد من قوله تعالى‏:‏ «إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر» الآية‏.‏ تحقيقاً لوعيده، فعلى هذا في تأويل قوله «فَصْل» وجهان‏:‏

أحدها‏:‏ حد، قاله ابن جبير‏.‏

الثاني‏:‏ عدل، قاله الضحاك‏.‏

القول‏:‏ ان المراد بالفصل القرآن تصديقاً لكتابه، فعلى هذا في تاويل قوله «فصل» وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ حق، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ ما رواه الحارث عن عليّ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «كتابِ الله فيه خير ما قبلكم، وحكم ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه مِن جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله»‏.‏

‏{‏وما هو بالهزْلِ‏}‏ وهذا تمام ما وقع عليه القسم، وفيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ باللعب، قاله ابن عباس ومجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ بالباطل، قاله وكيع والضحاك‏.‏

الثالث‏:‏ بالكذب، قاله السدي‏.‏

‏{‏إنّهم يَكِيدُونَ كيْداً‏}‏ يعني أهل مكة حين اجتمعوا في دار الندوة على المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ يمْكَرُ بك الذين كَفَروا لِيُثْبِتوكَ أو يَقْتلوكَ أو يُخْرِجوكَ‏}‏ فقال ها هنا‏:‏ «إنهم يكيدون كيداً» أي يمكرون مكراً‏.‏

‏{‏وأكيدُ كيْداً‏}‏ يعني بالانتقام في الآخرة بالنار، وفي الدنيا بالسيف‏.‏

‏{‏فمهّلِ الكافرين أَمْهِلْهم رُوَيْداً‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ قريباً، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ انتظاراً، ومنه قول الشاعر‏:‏

رُويْدك حتى تنطوي ثم تنجلي *** عمايةُ هذا العارضِ المتألّقِ

الثالث‏:‏ قليلاً، قاله قتادة‏.‏

قال الضحاك‏:‏ فقتلوا يوم بدر‏.‏

وفي «مهّل» «وأمْهل» وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهما لغتان معناهما واحد‏.‏

الثاني‏:‏ معناهما مختلف، فمهّل الكف عنهم، وأمْهِل انتظار العذاب لهم‏.‏

سورة الأعلى

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 13‏]‏

‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ‏(‏1‏)‏ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ‏(‏2‏)‏ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ‏(‏3‏)‏ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ‏(‏4‏)‏ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ‏(‏5‏)‏ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ‏(‏6‏)‏ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ‏(‏7‏)‏ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ‏(‏8‏)‏ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ‏(‏9‏)‏ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ‏(‏10‏)‏ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ‏(‏11‏)‏ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ‏(‏12‏)‏ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ‏(‏13‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏سَبِّح اسمَ رَبِّكَ الأعْلَى‏}‏ فيه أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ عظّم ربك الأعلى، قاله ابن عباس والسدي، والاسم صلة قصد بها تعظيم المسّمى، كما قال لبيد‏:‏

إلى الحْولِ ثم اسم السلام عليكما *** ومَنْ يَبْكِ حَوْلاً كاملاً فقد اعتذر

الثاني‏:‏ نزّه اسم ربك عن أن يسمى به أحد سواه، ذكره الطبري‏.‏

الثالث‏:‏ معناه ارفع صوتك بذكر ربك، قال جرير‏:‏

قَبَحَ الإلهُ وَجوه تَغْلبَ كلّما *** سَبَحَ الحجيجُ وكبّروا تكبيرا

الرابع‏:‏ صلّ لربك، فعلى هذا في قوله «اسم ربك» ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ بأمر ربك‏.‏

الثاني‏:‏ بذكر ربك أن تفتتح به الصلاة‏.‏

الثالث‏:‏ أن تكون ذاكراً لربك بقلبك في نيتك للصلاة‏.‏

وروي أن عليّاً وابن عباس وابن عمر كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة قالوا‏:‏ «سبحان ربي الأعلى» امتثالاً لأمره تعالى في ابتدائها، فصار الاقتداء بهم في قراءتها، وقيل إنها في قراءة أُبيّ‏:‏ «سبحان ربي الأعلى» وكان ابن عمر يقرؤها كذلك‏.‏

‏{‏الذي خَلَقَ فَسَوَّى‏}‏ يحتمل ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يعني أنشأ خلقهم ثم سوّاهم فأكملهم‏.‏

الثاني‏:‏ خلقهم خلقاً كاملاً وسوّى لكل جارحة مثلاً‏.‏

الثالث‏:‏ خلقهم بإنعامه وسوّى بينهم في أحكامه، قال الضحاك‏:‏

خلق آدم فَسوّى خلقه‏.‏

ويحتمل رابعاَ‏:‏ خلق في أصلاب الرجال، وسوّى في أرحام الأمهات‏.‏

ويحتمل خامساً‏:‏ خلق الأجساد فسّوى الأفهام‏.‏

‏{‏والذي قَدَّرَ فَهَدَى‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ قدّر الشقاوة والسعادة، وهداه للرشد والضلالة، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ قدر أرزاقهم وأقواتهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنساً، ولمراعيهم إن كانوا وحشاً‏.‏

الثالث‏:‏ قدرهم ذكوراً وإناثاً، وهدى الذكر كيف يأتى الأنثى، قاله السدي‏.‏

ويحتمل رابعاً‏:‏ قدر خلقهم في الأرحام، وهداهم الخروج للتمام‏.‏

ويحتمل خامساً‏:‏ خلقهم للجزاء، وهداهم للعمل‏.‏

‏{‏والذي أَخْرَجَ المْرعى‏}‏ يعني النبات، لأن البهائم ترعاه، قال الشاعر‏:‏

وقد يَنْبُتُ المرعى على دِمَنِ الثّرَى *** وتَبْقَى حَزازاتُ النفوسِ كما هِيا

‏{‏فَجَعَلهُ غُثاءً أَحْوَى‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أن الغثاء ما يبس من النبات حتى صار هشيماً تذروه الرياح‏.‏

الأحوى‏:‏ الأسود، قال ذي الرمة‏:‏

لمياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ *** وفي اللّثاتِ وفي أنْيابها شَنَبُ

وهذا معنى قول مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ أن الغثاء ما احتمل السيل من النبات، والأحوى‏:‏ المتغير، وهذا معنى قول السدي‏.‏

الثالث‏:‏ أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، ومعناه أحوى فصار غثاء، والأحوى‏:‏ ألوان النبات الحي من أخضر وأحمر وأصفر وأبيض، ويعبر عن جميعه بالسواد كما سمي به سواد العراق، وقال امرؤ القيس‏:‏

وغيثٍ دائمِ التهْتا *** نِ حاوي النبتِ أدْهم

والغثاء‏:‏ الميت اليابس، قال قتادة‏:‏ وهو مثل ضربه الله تعالى للكفار لذهاب الدنيا بعد نضارتها‏.‏

‏{‏سنُقْرئك فلا تَنسَى‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن معنى قوله‏:‏ فلا تنسى، أي فلا تترك العمل إلا ما شاء الله أن يترخص لك فيه، فعلى هذا التأويل يكون هذا نهياً عن الشرك‏.‏

والوجه الثاني‏:‏ أنه إخبار من الله تعالى أنه لا ينسى ما يقرئه من القرآن، حكى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه خيفة أن ينساه، فأنزل الله تعالى‏:‏

«سنقرئك فلا تنسى» يعني القرآن‏.‏

‏{‏إلا ما شاءَ اللهُ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه، قاله الحسن وقتادة‏.‏

الثاني‏:‏ إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله عليك فلا تقرؤه، حكاه ابن عيسى‏.‏

‏{‏إنهُ يَعْلَمُ الجهْرَ وما يَخْفَى‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، وما يخفى هو ما نسخ من حفظك‏.‏

الثاني‏:‏ أن الجهر ما علمه، وما يخفى ما سيتعلمه من بعد، قاله ابن عباس‏.‏

الثالث‏:‏ أن الجهر ما قد أظهره، وما يخفى ما تركه من الطاعات‏.‏

‏{‏وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ نيسرك لأن تعمل خيراً، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ للجنة، قاله ابن مسعود‏.‏

الثالث‏:‏ للدين واليسر وليس بالعسر، قاله الضحاك‏.‏

‏{‏فذكّرْ إن نَّفَعتِ الذِّكْرَى‏}‏ وفيما يذكر به وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ بالقرآن، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ بالله رغبة ورهبة، قاله ابن شجرة‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏إنْ نَفَعَتِ الذّكْرى‏}‏ وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني إن قبلت الذكرى وهو معنى قول يحيى بن سلام‏.‏

الثاني‏:‏ يعني ما نفعت الذكرى، فتكون «إنْ» بمعنى ما الشرط، لأن الذكرى نافعة بكل حال، قاله ابن شجرة‏.‏

‏{‏سَيّذَّكَرُ مَن يَخْشى‏}‏ يعني يخشى الله، وقد يتذكر من يرجوه، إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء، وإن تعلقت بالخشية والرجاء‏.‏

‏{‏وَيَتَجَنَّبُها الأشْقَى‏}‏ يعني يتجنب التذكرة الكافر الذي قد صار بكفره شقياً‏.‏ ‏{‏الذي يَصْلَى النّارَ الكُبْرىَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ هي نار جهنم، والصغرى نار الدنيا، قاله يحيى بن سلام‏.‏

الثاني‏:‏ الكبرى نار الكفار في الطبقة السفلى من جهنم، والصغرى نار المذنبين في الطبقة العليا من جهنم، وهو معنى قول الفراء‏.‏

‏{‏ثم لا يَمُوتُ فيها ولا يَحْيَا‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ لا يموت ولا يجد روح الحياة، ذكره ابن عيسى‏.‏

الثاني‏:‏ أنه يعذب لا يستريح ولا ينتفع بالحياة، كما قال الشاعر‏:‏

ألا ما لنفسٍ لا تموتُ فَيَنْقَضِي *** عَناها ولا تحْيا حياةً لها طَعمْ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 19‏]‏

‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ‏(‏14‏)‏ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ‏(‏15‏)‏ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏16‏)‏ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ‏(‏17‏)‏ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ‏(‏18‏)‏ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏قد أفْلَحَ من تَزَكّى‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ من تطهّر من الشرك بالإيمان، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ من كان صالح عمله زكياً نامياً، قاله الحسن والربيع‏.‏

لم يذكر الثالث راجع التعليق ص‏.‏ 44‏.‏

الرابع‏:‏ أنه عنى زكاة الأموال كلها، قاله ابو الأحوص‏.‏

ويحتمل خامساً‏:‏ أنه من ازداد خيراً وصلاحاً‏.‏

‏{‏وذكَرَ اسمَ ربِّه فَصَلّى‏}‏ فيه ستة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أن يوحد الله، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ أن يدعوه ويرغب إليه‏.‏

الثالث‏:‏ أن يستغفروه ويتوب إليه‏.‏

الرابع‏:‏ أن يذكره بقلبه عند صلاته فيخاف عقابه ويرجو ثوابه، ليكون استيفاؤه لها وخشوعه فيها بحسب خوفه ورجائه‏.‏

الخامس‏:‏ أن يذكر اسم ربه بلسانه عند إحرامه بصلاته، لأنها لا تنعقد إلا بذكره‏.‏ السادس‏:‏ أن يفتتح كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم‏.‏

وفي قوله «فصلّى» ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ الصلوات الخمس، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ صلاة العيد، قاله أبو سعيد الخدري‏.‏

الثالث‏:‏ هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاة، قاله أبو الأحوص‏.‏

وذكر الضحاك أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه‏.‏

‏{‏بل تُؤْثرون الحياةَ الدُّنْيا‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المراد بها الكفار، فيكون تأويلها‏:‏ بل تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة‏.‏

الثاني‏:‏ أن المراد بها المسلمون، فيكون تأويلها‏:‏ يؤثرون الاستكثار من الدنيا للاستكثار من الثواب‏.‏

‏{‏والآخِرةُ خَيْرٌ وأَبْقَى‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ خير للمؤمن من الدنيا، وأبقى للجزاء‏.‏

الثاني‏:‏ ما قاله قتادة خير في الخير وأبقى في البقاء‏.‏

ويحتمل به وجهاً ثالثاً‏:‏ يتحرر به الوجهان‏:‏ والآخرة خير لأهل الطاعة وأبقى على أهل الجنة‏.‏

‏{‏إنّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى‏}‏ فيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ يعني أن الآخرة خير وأبقى في الصحف الأولى، قاله قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ أن ما قصَّهُ الله في هذه السورة هو من الصحف الأولى‏.‏

الثالث‏:‏ هي كتب الله كلها، وحكى وهب بن منبه في المبتدإ أن جميع الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه مائة صحيفة وخمس صحف وأربعة كتب، منها خمسة وثلاثون صحيفة أنزلها على شيث بن آدم وخمسون صحيفة أنزلها على إدريس، وعشرون صحيفة أنزلها على إبراهيم، وأنزل التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والفرقان على محمد عليهم السلام‏.‏

سورة الغاشية

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 7‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ‏(‏1‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ‏(‏2‏)‏ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ‏(‏3‏)‏ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ‏(‏4‏)‏ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ ‏(‏5‏)‏ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ‏(‏6‏)‏ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏هلْ أتاكَ حديثُ الغاشِيةِ‏}‏ فيها قولان‏:‏

أحدهما أنها القيامة تغشى الناس بالأهوال، قاله ابن عباس والضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ أنها النار تغشى وجوه الكفار، قاله ابن جبير‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ أنها في هذا الموضع النفخة الثانية للبعث لأنها تغشى جميع الخلق‏.‏

و «هل» فيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها في موضع قد، وتقدير الكلام قد أتاك حديث الغاشية، قاله قطرب‏.‏

الثاني‏:‏ أنها خرجت مخرج الاستفهام لرسوله، ومعناه ألم يكن قد أتاك حديث الغاشية، فقد أتاك، وهو معنى قول الكلبي‏.‏

‏{‏وُجوهٌ يومئذٍ خاشِعَةٌ‏}‏ في الوجوه ها هنا قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ عنى وجوه الكفار كلهم، قاله يحيى بن سلام‏.‏

الثاني‏:‏ أنها وجوه اليهود والنصارى، قاله ابن عباس‏.‏

وفي قوله «يومئذٍ» وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني يوم القيامة، قاله سعيد بن جبير‏.‏

الثاني‏:‏ في النار، قاله قتادة‏.‏

«خاشعة» فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني ذليلة بمعاصيها، قاله قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ أنها تخشع بعد ذل من عذاب الله فلا تتنعم، قاله سعيد بن جبير‏.‏

ويحتمل وجهاً ثالثاً‏:‏ أن تكون خاشعة لتظاهرها بطاعته بعد اعترافها بمعصيته‏.‏ ‏{‏عامِلةٌ نَّاصِبَةٌ‏}‏ في «عاملة» وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ في الدنيا عاملة بالمعاصي، قاله عكرمة‏.‏

الثاني‏:‏ أنها تكبرت في الدنيا عن طاعة الله تعالى، فأعملها في النار بالانتقال من عذاب إلى عذاب، قاله قتادة‏.‏

ويحتمل وجهاً ثالثاً‏:‏ أي باذلة للعمل بطاعته إن ردّت‏.‏

وفي قوله «ناصبة» وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ناصبة في أعمال المعاصي‏.‏

الثاني‏:‏ ناصبة في النار، قاله قتادة‏.‏

ويحتمل وجهاً ثالثاً‏:‏ أي ناصبة بين يديه تعالى مستجيرة بعفوه‏.‏

‏{‏تَصْلَى ناراً حاميةً‏}‏ فإن قيل فما معنى صفتها بالحماء وهي لا تكون إلا حامية وهو أقل أحوالها، فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة‏؟‏ قيل قد اختلف في المراد بالحامية ها هنا على أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أن المراد بذلك أنها دائمة الحمى وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها بانطفائها‏.‏

الثاني‏:‏ أن المراد بالحامية أنها حمى يمنع من ارتكاب المحظورات وانتهاك المحارم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»‏.‏

الثالث‏:‏ معناه أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها أو ترام مماستها كما يحي الأسد عرينه، ومثله قول النابغة‏:‏

تعدو الذئاب على من لا كلاب له *** وتتقي صولة المستأسد الحامي‏.‏

الرابع‏:‏ أنها حامية مما غيظ وغضب، مبالغة في شدة الانتقام، وقد بيّن الله ذلك بقوله ‏{‏تكاد تميّز من الغيظ‏}‏‏.‏

‏{‏تُسْقَى مِن عَيْنٍ آنِيةٍ‏}‏ فيه أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ قاله ابن زيد‏.‏

الثاني‏:‏ حاضرة‏.‏

الثالث‏:‏ قد بلغت إناها وحان شربها، قاله مجاهد‏.‏

الرابع‏:‏ يعني قد أنى حرها فانتهى واشتد، قاله ابن عباس‏.‏

‏{‏ليس لَهُمْ طعامٌ إلاّ مِن ضَريعٍ‏}‏ فيه ستة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها شجرة تسميها قريش الشبرق، كثيرة الشوك، قاله ابن عباس، قال قتادة وإذا يبس في الصيف فهو ضريع، قال الشاعر‏:‏

رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى *** وعاد ضريعاً نازعته النحائص

الثاني‏:‏ السّلم، قال أبو الجوزاء‏:‏ كيف يسمن من يأكل الشوك‏.‏

الثالث‏:‏ أنها الحجارة، قاله ابن جبير‏.‏

الرابع‏:‏ أنه النوى المحرق، حكاه يوسف بن يعقوب عن بعض الأعراب‏.‏

الخامس‏:‏ أنه شجر من نار، قاله ابن زيد‏.‏

السادس‏:‏ أن الضريع بمعنى المضروع، أي الذي يضرعون عنده طلباً للخلاص منه، قاله ابن بحر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 16‏]‏

‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ‏(‏8‏)‏ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ‏(‏9‏)‏ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ‏(‏10‏)‏ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ‏(‏11‏)‏ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ‏(‏12‏)‏ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ‏(‏13‏)‏ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ‏(‏14‏)‏ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ‏(‏15‏)‏ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏في جَنّةٍ عاليةٍ‏}‏ فيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الجنة أعلى من النار فسميت لذلك عالية، قاله الضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ أعالي الجنة وغرقها، لأنها منازل العلو والارتفاع‏.‏

فعلى هذا في ارتفاعهم فيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ليلتذوا بالعو والارتفاع‏.‏

الثاني‏:‏ ليشاهدوا ما أعد الله لهم فيها من نعيم‏.‏

‏{‏لا تسْمَعُ فيها لاغيةً‏}‏ قال الفراء والأخفش‏:‏ أي لا تسمع فيها كلمة لغو وفي المراد بها سبعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ يعني كذباً، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ الإثم، قاله قتادة‏.‏

الثالث‏:‏ أنه الشتم، قاله مجاهد‏.‏

الرابع‏:‏ الباطل، قاله يحيى بن سلام‏.‏

الخامس‏:‏ المعصية، قاله الحسن‏.‏

السادس‏:‏ الحلف فلا تسمع في الجنة حالف يمين برة ولا فاجرة، قاله الكلبي‏.‏

السابع‏:‏ لا يسمع في كلامهم كلمة تلغى، لأن أهل الجنة لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم، قاله الفراء‏.‏

‏{‏فيها سُرُرٌ مرفوعةٌ‏}‏ والسرر جمع سرير، وهو مشتق من السرور وفي وصفها بأنها مرفوعة ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ لأن بعضها مرفوع فوق بعض‏.‏

الثاني‏:‏ مرفوعة في أنفسهم لجلالتها وحبهم لها، قاله الفراء‏.‏

الثالث‏:‏ أنها مرفوعة المكان لارتفاعها وعلوها‏.‏

فعلى هذا في وصفها بالعلو والارتفاع وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ليلتذ أهلها بارتفاعها، قاله ابن شجرة‏.‏

الثاني‏:‏ ليشاهدوا بارتفاعهم ما أُعطوه من مُلك وأُوتوه من نعيم، قاله ابن عيسى‏.‏

فأما قوله ‏{‏وأكوابٌ موضوعةٌ‏}‏ فالأكواب‏:‏ الأواني، وقد مضى القول في تفسيرها‏.‏

وفي قوله «موضوعة» وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ في أيديهم للاستمتاع بالنظر إليها لأنها من ذهب وفضة‏.‏

الثاني‏:‏ يعني أنها مستعملة على الدوام، لاستدامة شربهم منها، قاله المفضل‏.‏

‏{‏ونمارقُ مَصْفوفَةٌ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ الوسائد، واحدها نمرقة، قاله قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ المرافق، قاله ابن أبي طلحة، قال الشاعر‏:‏

وريم أحمّ المقلتين محبّب *** زرابيُّه مبثوثةٌ ونمارِقُه

‏{‏وزرابيُّ مْبْثوثةٌ‏}‏ فيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ هي البسط الفاخرة، قاله ابن عيسى‏.‏

الثاني‏:‏ هي الطنافس المخملة، قاله الكلبي والفراء‏.‏

وفي «المبثوثة» أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ مبسوطة، قاله قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ بعضها فوق بعض، قاله عكرمة‏.‏

الثالث‏:‏ الكثيرة، قاله الفراء‏.‏

الرابع‏:‏ المتفرقة، قاله ابن قتيبة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 26‏]‏

‏{‏أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ‏(‏17‏)‏ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ‏(‏18‏)‏ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ‏(‏19‏)‏ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ‏(‏20‏)‏ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ‏(‏21‏)‏ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ‏(‏22‏)‏ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ‏(‏23‏)‏ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ‏(‏24‏)‏ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ‏(‏25‏)‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏أفلا يَنظُرونَ إلى الإبلِ كيف خُلِقت‏}‏ الآيات، وفي ذكره لهذه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ ليستدلوا بما فيها من العبر على قدره الله تعالى ووحدانيته‏.‏

الثاني‏:‏ ليعلموا بقدرته على هذه الأمور أنه قادر على بعثهم يوم القيامة، قاله يحيى بن سلام‏.‏

الثالث‏:‏ أن الله تعالى لما نعت لهم ما في الجنة عجب منه أهل الضلالة، فذكر لهم ذلك مع ما فيه من العجاب ليزول تعجبهم، قاله قتادة‏.‏

وفي «الإبل» ها هنا وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ وهو أظهرهما وأشهرهما‏:‏ أنها الإبل من النَعَم‏.‏

الثاني‏:‏ أنها السحاب، فإن كان المراد بها السحاب فلما فيها من الآيات الدالة على قدرة الله والمنافع العامة لجميع خلقه‏.‏

وإن كان المراد بها من النَعَم فإن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوانات، لأن ضروبه أربعة‏:‏

حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة والإبل تجمع هذه الخلال الأربع، فكانت النعمة بها أعم، وظهور القدرة فيها أتم‏.‏

ثم قال تعالى بعد ذلك «‏{‏فَذَكِّرْ إنّما أنت مُذكِّر‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ إنما أنت واعظ‏.‏

الثاني‏:‏ ذكّرهم النعم ليخافوا النقم‏.‏

‏{‏لَسْتَ عليهم بِمُسْيْطِر‏}‏ فيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ لست عليهم بمسلط، قاله الضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ بجبار، قاله ابن عباس‏.‏

الثالث‏:‏ برب، قاله الحسن، ومعنى الكلام لست عليهم بمسيطر أن تكرههم على الإيمان‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إلاّ مَن تَولّى وكَفَر‏}‏ فلست له بمذكر، لأنه لا يقبل تذكيرك، قاله السدي‏.‏

الثاني‏:‏ إلا من تولى وكفر فكِلْه غلى الله تعالى، وهذا قبل القتال، ثم أمر بقتالهم، قاله الحسن‏.‏

وفي» تولَّى وكفر «وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ تولى عن الحق وكفر بالنعمة‏.‏

الثاني‏:‏ تولى عن الرسول وكفر بالله تعالى، قاله الضحاك‏.‏

‏{‏فيُعذِّبه الله العذَابَ الأكْبَر‏}‏ يعني جهنم‏.‏

ويحتمل أن يريد الخلود فيها، لأنه يصير بالاستدامة أكبر من المنقطع‏.‏ ‏{‏إنّ إليْنا إيابَهُمْ‏}‏ أي مرجعهم‏.‏

‏{‏ثم إنّ علينا حِسابَهم‏}‏ يعني جزاءَهم على أعمالهم، فيكون ذلك جامعاً بين الوعد والوعيد ثواباً على الطاعات وعقاباً على المعاصي‏.‏

سورة الفجر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 14‏]‏

‏{‏وَالْفَجْرِ ‏(‏1‏)‏ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ‏(‏2‏)‏ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ‏(‏3‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ‏(‏4‏)‏ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ‏(‏6‏)‏ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ‏(‏7‏)‏ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ‏(‏8‏)‏ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ‏(‏9‏)‏ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ‏(‏11‏)‏ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ‏(‏12‏)‏ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ‏(‏13‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏والفَجْر‏}‏ قسم أقسم الله تعالى به، وهو انفجار الصبح من أفق المشرق، وهما فجران‏:‏ فالأول منهما مستطيل كذنب السرحان يبدو كعمود نور لا عرض له، ثم يغيب لظلام يتخلله، ويسمى هذا الفجر المبشر للصبح، وبعضهم يسميه الكاذب لأنه كذب بالصبح‏.‏

وهو من جملة الليل لا تأثير له في صلاة ولا صوم‏.‏

وأما الثاني فهو مستطيل النور منتشر في الأفق ويسمى الفجر الصادق لأنه صدقك عن الصبح، قال الشاعر‏:‏

شعب الكلاب الضاريات فزاده *** ناراً بذي الصبح المصدق يخفق

وبه يتعلق حكم الصلاة والصوم، وقد ذكرنا ذلك من قبل‏.‏

وفي قسم الله بالفجر أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه عنى به النهار وعبر عنه بالفجر لأنه أوله، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ أن الفجر الصبح الذي يبدأ به النهار من كل يوم، قاله علّي رضي الله عنه‏.‏

الثالث‏:‏ أنه عنى به صلاة الصبح، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً‏.‏

الرابع‏:‏ أنه أراد به فجر يوم النحر خاصة، قاله مجاهد‏.‏

وفي ‏{‏وليالٍ عشْرٍ‏}‏- وهي قسم ثان- أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ هي عشر ذي الحجة، قاله ابن عباس، وقد روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «» والفجر وليال عشر «، قال‏:‏ عشر الأضحى»‏.‏

الثاني‏:‏ هي عشر من أول المحرم، حكاه الطبري‏.‏

الثالث‏:‏ هي العشر الأواخر من شهر رمضان، وهذا مروي عن ابن عباس‏.‏

الرابع‏:‏ هي عشر موسى عليه السلام التي أتمها الله سبحانه له، قاله مجاهد‏.‏

‏{‏والشّفْعِ والوَتْرِ‏}‏ وهذا قسم ثالث، وفيهما تسعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها الصلاة، فياه شفع وفيها وتر، رواه عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

الثاني‏:‏ هي صلاة المغرب، الشفع منها ركعتان، والوتر الثالثة، قاله الربيع بن أنس وأبو العالية‏.‏

الثالث‏:‏ أن الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، رواه ابن الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

الرابع‏:‏ أن الشفع يوما منى الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة، والوتر الثالث بعدهما، قاله ابن الزبير‏.‏

الخامس‏:‏ أن الشفع عشر ذي الحجة، والوتر أيام منى الثلاثة، قاله الضحاك‏.‏

السادس‏:‏ أن الشفع الخلق من كل شيء، والوتر هو آدم وحواء، لأن آدم كان فرداً فشفع بزوجته حواء فصار شفعاً بعد وتر، رواه ابن نجيح‏.‏

التاسع‏:‏ أنه العدد لأن جميعه شفع ووتر، قاله الحسن‏.‏

ويحتمل حادي عشر‏:‏ أن الشفع ما يَنْمى، والوتر مالا يَنْمى‏.‏

‏{‏واللّيْلِ إذا يَسْرِ‏}‏ وهذا قسم رابع، وفيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ هي ليلة القدر لسراية الرحمة فيها واختصاصها بزيادة الثواب فيها‏.‏

الثاني‏:‏ هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله، وسئل محمد بن كعب عن قوله تعالى ‏{‏والليل إذا يَسْرِ‏}‏ فقال أسْر يا ساري، ولا تبيتنّ إلا بجمع، يعني بمزدلفة‏.‏

الثالث‏:‏ أنه أراد عموم الليل كله‏.‏

وفي قوله ‏{‏إذا يسرِ‏}‏ ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ إذا أظلم، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ إذا سار، لأن الليل يسير بمسير الشمس والفلك فينتقل من أفق إلى أفق، ومنه قولهم جاء الليل وذهب النهار‏.‏

الثالث‏:‏ إذا سار فيه أهله، لأن السرى سير الليل‏.‏

‏{‏هل في ذلك قَسَمٌ لذي حجْرٍ‏}‏ وفي ذي الحجر لأهل التأويل خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ لذي عقل، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ لذي حلم، قاله الحسن‏.‏

الثالث‏:‏ لذي دين، قاله محمد بن كعب‏.‏

الرابع‏:‏ لذي ستر، قاله أبو مالك‏.‏

الخامس‏:‏ لذي علم، قاله أبو رجاء‏.‏

والحجر‏:‏ المنع، ومنه اشتق اسم الحجر لامتناعه بصلابته، ولذلك سميت الحجرة لامتناع ما فيها بها، ومنه سمي حجر المَولَّى عليه لما فيه من منعه عن التصرف، فجاز أن يحمل معناه على كل واحد من هذه التأويلات لما يضمنه من المنع‏.‏

وقال مقاتل «هل» ها هنا في موضع إنّ، وتقدير الكلام‏:‏ إن في ذلك قسماً لِذي حِجْر‏.‏

‏{‏ألم تَرَ كيف فَعَل ربُّك بعادٍ * إرَمَ‏}‏ فيه سبعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن إرم هي الأرض، قاله قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ دمشق، قاله عكرمة‏.‏

الثالث‏:‏ الإسكندرية، قاله محمد بن كعب‏.‏

الرابع‏:‏ أن إرم أُمة من الأمم، قاله مجاهد، قال الشاعر‏:‏

كما سخرت به إرم فأضحوا *** مثل أحلام النيام‏.‏

الخامس‏:‏ أنه اسم قبيلة من عاد، قاله قتادة‏.‏

السادس‏:‏ أن إرم اسم جد عاد، قاله محمد بن إسحاق، وحكى عنه أنه أبوه، وأنه عاد بن إرم بن عوض بن سام بن نوح‏.‏

السابع‏:‏ أن معنى إرم القديمة، رواه ابن أبي نجيح‏.‏

الثامن‏:‏ أنه الهلاك، يقال‏:‏ أرم بنو فلان، أي هلكوا، قاله الضحاك‏.‏

التاسع‏:‏ أن الله تعالى رمّهم رّماً فجعلهم رميماً، فلذلك سماهم، قاله السدي‏.‏

‏{‏ذاتِ العمادِ‏}‏ فيه أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ ذات الطُّول، قال ابن عباس مأخوذ من قولهم رجل معمّد، إذا كان طويلاً، وزعم قتادة‏.‏ أنه كان طول الرجل منهم اثني عشر ذراعاً‏.‏

الثاني‏:‏ ذات العماد لأنهم كانوا أهل خيام وأعمدة، ينتجعون الغيوث، قاله مجاهد‏.‏

الثالث‏:‏ ذات القوة والشدة، مأخوذ من قوة الأعمدة، قاله الضحاك، وحكى ثور بن يزيد أنه قال‏:‏ أنا شداد بن عاد، وأنا الذي رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي بطن السواد، وأنا الذي كنزت كنزاً على سبعة أذرع لا تخرجه إلا أمة محمد‏.‏

الرابع‏:‏ ذات العماد المحكم بالعماد، قاله ابن زيد‏.‏

‏{‏التي لم يُخْلَقْ مِثْلُها في البلادِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ لم يخلق مثل مدينتهم ذات العماد في البلاد، قاله عكرمة‏.‏

الثاني‏:‏ لم يخلق مثل قوم عاد في البلاد، لطولهم وشدتهم، قاله الحسن‏.‏

‏{‏وثمودَ الذين جابُوا الصّخْرَ بالوادِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني قطعوا الصخر ونقبوه ونحتوه حتى جعلوه بيوتاً، كما قال تعالى‏:‏

‏{‏وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين‏}‏ قال الشاعر‏:‏

ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطِلٌ *** وكلُّ نعيمِ لا مَحالةَ زائلُ

وقال آخر‏:‏

وهم ضربوا في كل صماءَ صعدة *** بأيدٍ شديد من شداد السواعد‏.‏

الثاني‏:‏ معناه طافوا لأخذ الصخر بالوادي، كما قال الشاعر‏:‏

ولا رأَيْت قلوصاً قبْلها حَمَلَتْ *** ستين وسقاً ولا جابَتْ به بَلَدا

وأما «الواد» فقد زعم محمد بن إسحاق أنه وادي القرى، وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة قال‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال‏:‏ أسرعوا السير فإنكم في واد ملعون‏.‏

‏{‏وفرعونَ ذِي الأوْتادِ‏}‏ فيه أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن الأوتاد الجنود، فلذلك سمي بذي الأوتاد لكثرة جنوده، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد يشدها في أيديهم، قاله الحسن، ومجاهد، قال الكلبي‏:‏ بمثل ذلك عذب فرعون زوجته آسية بنت مزاحم عندما آمنت حتى ماتت‏.‏

الثالث‏:‏ أن الأوتاد البنيان فسمي بذي الأوتاد لكثرة بنائه، قاله الضحاك‏.‏

الرابع‏:‏ لأنه كانت له فطال وملاعب على أوتاد وحبال يلعب له تحتها، قاله قتادة‏.‏

ويحتمل خامساً‏:‏ أنه ذو الأوتاد لكثرة نخلة وشجرة، لأنها كالأوتاد في الأرض‏.‏

‏{‏فَصَبَّ عليهم ربُّك سَوْطَ عذابٍ‏}‏ فيه أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ قسط عذاب كالعذاب بالسوط، قاله ابن عيسى‏.‏

الثاني‏:‏ خلط عذاب، لأنه أنواع ومنه قول الشاعر‏:‏

أحارثُ إنّا لو تُساطُ دماؤنا *** تَزَيّلْنَ حتى لا يَمسَّ دَمٌ دَمَا

الثالث‏:‏ أنه وجع من العذاب، قاله السدي‏.‏

الرابع‏:‏ أنه كل شيء عذب الله به فهو سوط عذاب، قاله قتادة‏.‏

وقال قتادة‏:‏ كان سوط عذاب هو الغرق‏.‏

‏{‏إنّ ربك لبالمرصاد‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ بالطريق‏.‏

الثاني‏:‏ بالانتظار، كما قال طرفة‏:‏

أعاذلُ إنّ الجهْلَ من لَذِةِ الفتى *** وإنّ المنايا للرجال بمرصَد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 20‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ‏(‏15‏)‏ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ‏(‏16‏)‏ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ‏(‏17‏)‏ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ‏(‏18‏)‏ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ‏(‏19‏)‏ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏وتأكُلون التُّراثَ أكْلاً لمّاً‏}‏ والتراث‏:‏ الميراث، وفي قوله «لمّاً» أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ يعني شديداً، قاله السدي‏.‏

الثاني‏:‏ يعني جمعاً، من قولهم لممت الطعام لَمّاً، إذا أكلته جمعاً، قاله الحسن‏.‏

الثالث‏:‏ معناه سفه سفاً، قاله مجاهد‏.‏

الرابع‏:‏ هو أنه إذا أكل مال نفسه ألمّ بمال غيره فأكله، ولا يتفكر فيما أكل من خبيث وطيب، قاله ابن زيد‏.‏

ويحتمل خامساً‏:‏ أنه ألمّ بما حرم عليه ومنع منه‏.‏

‏{‏وتُحِبُّونَ المالَ حُبّاً جَمّاً‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني كثيراً، قاله ابن عباس، والجمّ الكثير، قال الشاعر‏:‏

إنْ تَغْفِر اللهم تغْفِرْ جَمّا *** وأيُّ عبدٍ لك لا أَلَمّاً

الثاني‏:‏ فاحشاً تجمعون حلاله إلى حرامه، قاله الحسن‏:‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ أنه يحب المال حب إجمام له واستبقاء فلا ينتفع به في دين ولا دنيا وهو أسوأ أحوال ذي المال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 30‏]‏

‏{‏كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ‏(‏21‏)‏ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ‏(‏22‏)‏ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ‏(‏23‏)‏ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ‏(‏24‏)‏ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ‏(‏25‏)‏ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ‏(‏26‏)‏ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ‏(‏27‏)‏ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ‏(‏28‏)‏ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ‏(‏29‏)‏ وَادْخُلِي جَنَّتِي ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏يومئذٍ يَتذكّرُ الإنسانُ وأنَّى له الذِّكْرَى‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ يتوب وكيف له بالتوبة، لأن التوبة بالقيامة لا تنفع، قاله الضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ يتذكر ما عمل في دنياه وما قدم لآخرته، وأنى له الذكرى في الآخرة، وإنما ينتفع في الدنيا، قاله ابن شجرة‏.‏

‏{‏يقولُ يا ليتني قَدَّمْتُ لحياتي‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ قدمت من دنياي لحياتي في الآخرة، قاله الضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ قدمت من حياتي لمعادي في الآخرة ذكره ابن عباس‏.‏

‏{‏فيومئذٍ لا يُعَذِّب عذابَه أَحَدٌ * ولا يُوثِقُ وثاقهَ أَحَدٌ‏}‏ قرأ الكسائي لا يعذَّب ولا يوثق بفتح الذال والثاء وتأويلها على قراءته لا يعذَّب عذاب الكافر الذي يقول «يا ليتني قدمت لحياتي» أحدٌ، وقرأ الباقون بكسر الذال والثاء وتأويلها أنه لا يعَذِّب عذابَ الله أحدٌ غَفَر الله له، قاله ابن عباس والحسن، فيكون تأويله على القراءة الأولى محمولاً على الآخرة، وعلى القراءة الثانية محمولاً على الدنيا‏.‏

‏{‏يا أيّتُها النّفْسُ المطْمئِنّةُ‏}‏ فيه سبعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ يعني المؤمنة، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ المجيبة، قاله مجاهد‏.‏

الثالث‏:‏ المؤمنة بما وعد الله، قاله قتادة‏.‏

الرابع‏:‏ الآمنة، وهو في حرف أُبيّ بن كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة‏.‏ الخامس‏:‏ الراضية، قاله مقاتل‏.‏

السادس‏:‏ ما قاله بعض أصحاب الخواطر‏:‏ المطمئنة إلى الدنيا، ارجعي إلى ربك في تركها‏.‏

السابع‏:‏ ما قاله الحسن أن الله تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن اطمأنت النفس إلى الله عز وجل، واطمأن الله إليها‏.‏

‏{‏ارْجِعي إلى ربِّكِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ إلى جسدك عند البعث في القيامة، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ إلى ربك عند الموت في الدنيا، قاله أبو صالح‏.‏

ويحتمل تأويلاً ثالثاً‏:‏ إلى ثواب ربك في الآخرة‏.‏

‏{‏راضيةً مَرْضِيّةً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ رضيت عن الله ورضي عنها، قاله الحسن‏.‏

الثاني‏:‏ رضيت بثواب الله ورضي بعملها، قاله ابن عباس‏.‏

‏{‏فادْخُلي في عِبادي‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ في عبدي، وهو في حرف أُبيّ بن كعب‏:‏ فادخلي في عبدي‏.‏

الثاني‏:‏ في طاعتي، قاله الضحاك‏.‏

الثالث‏:‏ معناه فادخلي مع عبادي، قاله السدي‏.‏

‏{‏وادْخُلي جَنَتي‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ في رحمتي، قاله الضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ الجنة التي هي دار الخلود ومسكن الأبرار، وهو قول الجمهور‏.‏

وقال أسامة بن زيد‏:‏ بشرت النفس المطمئنة بالجنة عند الموت، وعند البعث وفي الجنة‏.‏

واختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية على أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها نزلت في أبي بكر، فروى ابن عباس أنها نزلت وأبو بكر جالس فقال‏:‏ يا رسول الله ما أَحسن هذا، فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أما أنه سيقال لك هذا»‏.‏

الثاني‏:‏ أنها نزلت في عثمان حين وقف بئر رومة، قاله الضحاك‏.‏

الثالث‏:‏ أنها نزلت في حمزة، قاله بريدة الأسلمي‏.‏

الرابع‏:‏ أنها عامة في كل المؤمنين، رواه عكرمة والفراء‏.‏

سورة البلد

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ‏(‏1‏)‏ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ‏(‏2‏)‏ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ‏(‏3‏)‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ‏(‏4‏)‏ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ‏(‏5‏)‏ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ‏(‏6‏)‏ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ‏(‏7‏)‏ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ‏(‏8‏)‏ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ‏(‏9‏)‏ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ‏(‏10‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏لا أُقْسِمُ بهذا البَلَد‏}‏ ومعناه على أصح الوجوه‏:‏

أُقْسِم بهذا البلد، وفي «البلد» قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ مكة، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ الحرم كله، قاله مجاهد‏.‏

‏{‏وأنتَ حلٌّ بهذا البَلَدِ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ حل لك ما صنعته في هذا البلد من قتال أو غيره، قاله ابن عباس ومجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ أنت مُحِل في هذا البد غير مُحْرِم في دخولك عام الفتح، قاله الحسن وعطاء‏.‏

الثالث‏:‏ أن يستحل المشركون فيه حرمتك وحرمة من اتبعك توبيخاً للمشركين‏.‏ ويحتمل رابعاً‏:‏ وأنت حالٌّ أي نازل في هذا البلد، لأنها نزلت عليه وهو بمكة لم يفرض عليه الإحرام ولم يؤْذن له في القتال، وكانت حرمة مكة فيها أعظم، والقسم بها أفخم‏.‏

‏{‏ووالدٍ وما وَلَدَ‏}‏ فيه أربعة أوجه‏.‏

أحدها‏:‏ آدم وما ولد، قاله مجاهد وقتادة والحسن والضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ أن الوالد إبراهيم وما ولد، قاله ابو عمران الجوني‏.‏

الثالث‏:‏ أن الوالد هو الذي يلد، وما ولد هو العاقر الذي لا يلد، قاله ابن عباس‏.‏

الرابع‏:‏ أن الوالد العاقر، وما ولد التي تلد، قاله عكرمة‏.‏

ويحتمل خامساً‏:‏ أن الوالد النبي صلى الله عليه وسلم، لتقدم ذكره، وما ولد أُمتّه، لقوله عليه السلام إنما أنا لكم مثل الوالد أعلّمكم، فأقسم به وبأمّته بعد أن أقسم ببلده مبالغة في تشريفه‏.‏

‏{‏لقد خَلقنا الإنسانَ في كَبَدٍ‏}‏ إلى هاهنا انتهى القسم وهذا جوابه‏.‏ وفي قوله «في كَبَد» سبعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ في انتصاب في بطن أُمّه وبعد ولادته، خص الإنسان بذلك تشريفاً، ولم يخلق غيره من الحيوان منتصباً، قاله ابن عباس وعكرمة‏.‏

الثاني‏:‏ في اعتدال، لما بيّنه بعد من قوله ‏{‏ألم نَجْعَلْ له عَيْنَين‏}‏ الآيات، حكاه ابن شجرة‏.‏

الثالث‏:‏ يعني من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، يتكبد في الخلق مأخوذ من تكبد الدم وهو غلظه، ومنه أخذ أسم الكبد لأنه دم قد غلظ، وهو معنى قول مجاهد‏.‏

الرابع‏:‏ في شدة لأنها حملته كرهاً ووضعته كرهاً، مأخوذ من المكابدة، ومنه قول لبيد‏:‏

يا عين هلاّ بكيْتِ أَرْبَدَ إذ *** قُمْنا وقامَ الخصومُ في كَبَدِ‏.‏

رواه ابن أبي نجيح‏.‏

الخامس‏:‏ لأنه يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة، قاله الحسن‏.‏

السادس‏:‏ لأنه خلق آدم في كبد السماء، قاله ابن زيد‏.‏

السابع‏:‏ لأنه يكابد الشكر على السّراء والصبر على الضّراء، لأنه لا يخلو من أحدهما، رواه ابن عمر‏.‏

ويحتمل ثامناً‏:‏ يريد به أنه ذو نفور وحميّة، مأخوذ من قولهم لفلان كبَد، إذا كان شديد النفور والحمية‏.‏

وفيمن اريد بالإنسان ها هنا قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ جميع الناس‏.‏

الثاني‏:‏ الكافر يكابد شبهات‏.‏

‏{‏أيَحْسَب أنْ لَنْ يَقْدِر عليه أحَدٌ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه الله أن يبعثه بعد الموت، قاله السدي‏.‏

الثاني‏:‏ أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه أحد بأخذ ماله، قاله الحسن‏.‏

الثالث‏:‏ أيحسب أن لن يذله أحد، لأن القدرة عليه ذل له‏.‏

‏{‏يقولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني كثيراً‏.‏

الثاني‏:‏ مجتمعاً بعضه على بعض، ومنه سمي اللّبْد لاجتماعه وتلبيد بعضه على بعض‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ يعني مالاً قديماً، لاشتقاقه من الأبد، أو للمبالغة في قدمه من عهد لَبِد، لأن العرب تضرب المثل في القدم بلبد، وذكر قدمه لطول بقائه وشدة ضَنِّه به‏.‏

وقيل إن هذا القائل أبو الشد الجمحي، أنفق مالا كثيراً في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصد عن سبيل الله، وقيل بل هو النضر بن الحارث‏.‏

وهذا القول يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يكون استطالة بما أنفق فيكون طغياناً منه‏.‏

الثاني‏:‏ أن يكون أسفاً عليه، فيكون ندماً منه‏.‏

‏{‏أيحْسَبُ أن لم يَرَهُ أَحَدٌ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن لم يره الله، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ أن لم يره أحد من الناس فيما أنفقه، قاله ابن شجرة‏.‏

ويحتمل وجهاً ثالثاً‏:‏ أيحسب أن لم يظهر ما فعله أن لا يؤاخذ به، على وجه التهديد، كما يقول الإنسان لمن ينكر عليه فعله، قد رأيت ما صنعت، تهديداً له فيكون الكلام على هذا الوجه وعيداً، وعلى ما تقدم تكذيباً‏.‏

‏{‏وهَدَيْناه النَّجْدَيْنِ‏}‏ فيهما أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ سبيل الخير والشر، قاله علي رضي الله عنه والحسن‏.‏

الثاني‏:‏ سبيل الهدى والضلالة، قاله ابن عباس‏.‏

الثالث‏:‏ سبيل الشقاء والسعادة، قاله مجاهد‏.‏

الرابع‏:‏ الثديين ليتغذى بهما، قاله قتادة والربيع بن خثيم‏.‏

قال قطرب‏:‏ والنجد هو الطريق المرتفع، فأرض نجد هي المرتفعة، وأرض تهامة هي المنخفضة‏.‏

ويحتمل على هذا الاشتقاق خامساً‏:‏ أنهما الجنة والنار، لارتفاعهما عن الأرض‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 20‏]‏

‏{‏فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ‏(‏11‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ‏(‏12‏)‏ فَكُّ رَقَبَةٍ ‏(‏13‏)‏ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ‏(‏14‏)‏ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ‏(‏15‏)‏ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ‏(‏17‏)‏ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ‏(‏18‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ‏(‏19‏)‏ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏فلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ‏}‏ فيها خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها طريق النجاة، قاله ابن زيد‏.‏

الثاني‏:‏ أنها جبل في جهنم، قاله ابن عمر‏.‏

الثالث‏:‏ أنها نار دون الحشر، قاله قتادة‏.‏

الرابع‏:‏ أنها الصراط يضرب على جهنم كحد السيف، قاله الضحاك، قال الكلبي‏:‏ صعوداً وهبوطاً‏.‏

الخامس‏:‏ أن يحاسب نفسه وهواه وعدوّه الشيطان، قاله الحسن‏.‏

قال الحسن‏:‏ عقبة والله شديدة‏.‏

ويحتمل سادساً‏:‏ اقتحام العقبة خالصة من الغرض‏.‏

وفي معنى الكلام وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ اقتحام العقبة فك رقبة، قاله الزجاج‏.‏

الثاني‏:‏ معناه فلم يقتحم العقبة إلا مَنْ فكَّ رقبة أو أطعم، قاله الأخفش‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ‏}‏ وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه اقتحام العقبة‏.‏

ثم بين تعالى ما تقتحم به العقبة‏.‏

فقال‏:‏ ‏{‏فَكُّ رَقَبَةٍ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ إخلاصها من الأسر‏.‏

الثاني‏:‏ عتقها من الرق، وسمي المرقوق رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط من رقبته، وسمي عتقاً فكها لأنه كفك الأسير من الأسر، قال حسان بن ثابت‏:‏

كم مِن أسيرٍ فككناه بلا ثَمنٍ *** وجَزّ ناصية كُنّأ مَواليها

وروى عقبة بن عامر الجهني أن النبي عليه السلام قال‏:‏ من أعتق مؤمنة فهي فداؤه من النار‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ أنه أرد فك رقبته وخلاص نفسه باجتناب المعاصي وفعل الطاعات، لا يمنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه الصواب‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أو إطعامٌ في يومٍ ذي مَسْغَبَةٍ‏}‏ أي مجاعة، لقحط أو غلاء‏.‏

‏{‏يتيماً ذا مَقْرَبةٍ‏}‏ ويحتمل أن يريد ذا جوار‏.‏

‏{‏أو مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ‏}‏ فيه سبعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أن ذا المتربة هو المطروح على الطريق لا بيت له، قاله ابن عباس، الثاني‏:‏ هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره، قاله مجاهد‏.‏

الثالث‏:‏ أنه ذو العيال، قاله قتادة‏.‏

الرابع‏:‏ أنه المديون، قاله عكرمة‏.‏

الخامس‏:‏ أنه ذو زمانة، قاله ابو سنان‏.‏

السادس‏:‏ أنه الذي ليس له أحد، قاله ابن جبير‏.‏

السابع‏:‏ أن ذا المتربة‏:‏ البعيد التربة، يعني الغريب البعيد عن وطنه، رواه عكرمة عن ابن عباس‏.‏

‏{‏ثُمَّ كانَ مِنَ الذين آمَنوا وَتَوَاصَوْا بالصَّبْر‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ بالصبر على طاعة الله، قاله الحسن‏.‏

الثاني‏:‏ بالصبر على ما افترض الله عليه، قاله هشام بن حسان‏.‏

الثالث‏:‏ بالصبر على ما أصابهم، قاله سفيان‏.‏

ويحتمل رابعاً‏:‏ بالصبر على الدنيا وعن شهواتها‏.‏

‏{‏وتَواصَوْا بالمَرْحَمَةِ‏}‏ أي بالتراحم فيما بينهم، فرحموا الناس كلهم ويحتمل ثانياً‏:‏ وتواصوا بالآخرة لأنها دار الرحمة، فيتواصوا بترك الدنيا وطلب الآخرة‏.‏

‏{‏أولئك أصحابُ المَيْمَنَةِ‏}‏ يعني الجنة، وفي تسميتهم أصحاب الميمنة أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ لأنهم أُخذوا من شق آدم الأيمن، قاله زيد بن أسلم‏.‏

الثاني‏:‏ لأنهم أوتوا كتابهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب‏.‏

الثالث‏:‏ لأنهم ميامين على أنفسهم، قاله يحيى بن سلام‏.‏

الرابع‏:‏ لأنه منزلهم على اليمين، قاله ميمون‏.‏

‏{‏والّذِين كَفَروا بآياتِنا‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ بالقرآن، قاله ابن جبير‏.‏

الثاني‏:‏ هي جميع دلائل الله وحُججه، قاله ابن كامل‏.‏

‏{‏هُمْ أصحابُ المشْأَمةٍ‏}‏ يعني جهنم، وفي تسميتهم بذلك أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ لأنهم أُخذوا من شق آدم الأيسر، قاله زيد بن أسلم‏.‏

الثاني‏:‏ لأنهم أُوتوا كتابهم بشمالهم، قاله محمد بن كعب‏.‏

الثالث‏:‏ لأنهم مشائيم على أنفسهم، قاله يحيى بن سلام‏.‏

الرابع‏:‏ لأن منزلهم عن اليسار، وهو مقتضى قول ميمون‏.‏

‏{‏عليهم نارٌ مُّؤصَدَةٌ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ المؤصدة المطبقة، قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة‏.‏

الثاني‏:‏ مسدودة، قاله مجاهد‏.‏

الثالث‏:‏ لها حائط لا باب له، قاله الضحاك‏.‏

سورة الشمس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ‏(‏1‏)‏ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ‏(‏2‏)‏ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ‏(‏3‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ‏(‏4‏)‏ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ‏(‏5‏)‏ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ‏(‏6‏)‏ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ‏(‏7‏)‏ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ‏(‏8‏)‏ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ‏(‏9‏)‏ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ‏(‏10‏)‏‏}‏

مكية عند جميعهم

قوله تعالى ‏{‏والشّمْسِ وضُحاها‏}‏ هذان قسمان‏:‏

قَسَمٌ بالشمس، وقَسَم بضحاها، وفي ضحاها أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ هو إشراقها، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ هو إنبساطها، قاله اليزيدي‏.‏

الثالث‏:‏ حرها، قاله السدي‏.‏

الرابع‏:‏ هذا النهار، قاله قتادة‏.‏

ويحتمل خامساً‏:‏ أنه ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها وبالمخلوقات كلها‏.‏

‏{‏والقَمَرِ إذا تَلاها‏}‏ ففيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ إذا ساواها، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ إذا تبعها، قاله ابن عباس‏.‏

وفي اتباعه لها ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أول ليلة من الشهر إذا سقطت الشمس يرى القمر عند سقوطها، قاله قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ الخامس عشر من الشهر يطلع القمر مع غروب الشمس، قاله الطبري‏.‏

الثالث‏:‏ في الشهر كله فهو في النصف الأول يتلوها، وتكون أمامه وهو وراءها، وإذا كان في النصف الأخير كان هو أمامها وهي وراءه، قاله ابن زيد‏.‏

ويحتمل رابعاً‏:‏ أنه خلفها في الليل، فكان له مثل ما لها في النهار لأن تأثير كل واحد منهما في زمانه، فللشمس النهار‏.‏ وللقمر الليل‏.‏

‏{‏والنّهارِ إذا جَلاَها‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أضاءها، يعني الشمس لأن ضوءها بالنهار يجلي ظلمة الليل، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ أظهرها، لأن ظهور الشمس بالنهار، ومنه قول قيس بن الخطيم‏:‏

تجلب لنا كالشمس بين غمامةٍ *** بدا حاجبٌ منها وضنّتْ بحاجب

ويحتمل ثالثاً‏:‏ أن النهار جلّى ما في الأرض من حيوانها حتى ظهر لاستتاره ليلاً وانتشاره نهاراً‏.‏

‏{‏والليل إذا يَغْشاها‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أظلمها، يعني الشمس، وهو مقتضى قول مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ يسترها، ومنه قول الخنساء‏:‏

أرْعَى النجومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها *** وتارةً أتغشى فَضْلَ أطْماري

‏{‏والسّماءِ وما بَناها‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ والسماء وبنائها، قاله قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ معناه ومن بناها وهو الله تعالى، قاله مجاهد والحسن‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ والسماء وما في بنائها، يعني من الملائكة والنجوم، فيكون هذا قسَماً بما في السماءِ، ويكون ما تقدمه قسَماً بما في الأرض‏.‏

‏{‏والأرْضِ وما طَحَاهَا‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ معناه بَسطها، قاله سفيان وأبو صالح‏.‏

الثاني‏:‏ معناه قسَمها، قاله ابن عباس‏.‏

الثالث‏:‏ يعني ما خلق فيها، قاله عطية العوفي، ويكون طحاها بمعنى خلقها، قال الشاعر‏:‏

وما تَدري جذيمةُ مَنْ طحاها *** ولا من ساكنُ العَرْشِ الرّفيع

ويحتمل رابعاً‏:‏ أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز، لأنه حياة لما خلق عليها‏.‏

‏{‏ونَفْسٍ وما سَوَّاها‏}‏ في النفس قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ آدم، ومن سواها‏:‏ الله تعالى، قاله الحسن‏.‏

الثاني‏:‏ أنها كل نفس‏.‏

وفي معنى سواها على هذا القول وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ سوى بينهم في الصحة، وسوى بينهم في العذاب جميعاً، قاله ابن جريج‏.‏

الثاني‏:‏ سوى خلقها وعدل خلقها، قاله مجاهد‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ سوّاها بالعقل الذي فضّلها به على جميع الحيوانات‏.‏

‏{‏فأَلْهَمَهَا فجُورَها وتَقْواها‏}‏ في «ألهمها» تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أعلمها، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ ألزمها، قاله ابن جبير‏.‏

وفي «فجورها وتقواها» ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ الشقاء والسعادة، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ الشر والخير، قاله ابن عباس‏.‏

الثالث‏:‏ الطاعة والمعصية، قاله الضحاك‏.‏

ويحتمل رابعاً‏:‏ الرهبة والرغبة لأنهما داعيا الفجور والتقوى‏.‏

وروى جوبير عن الضحاك عن ابن عباس أن النبي عليه السلام كان إذا قرأ هذه الآية «فألهمها فجورها وتقواها» رفع صوته‏:‏ اللهم آتِ نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وأنت خير من زكّاها‏.‏

‏{‏قد أفْلَحَ مَن زكّاها‏}‏ على هذا وقع القسم، قال ابن عباس‏:‏ فيها أحد عشر قسماً‏.‏

وفيه وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ قد افلح من زكى الله نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال‏.‏

الثاني‏:‏ قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال‏.‏

وفي زكاها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ طهّرها، وهو قول مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ أصلحها، وهو قول سعيد بن جبير‏.‏

‏{‏وقد خابَ من دَسّاها‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ على ما قضى وقد خاب من دسّى الله نفسه‏.‏

الثاني‏:‏ من دسّى نفسه‏.‏

وفي «دسّاها» سبعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أغواها وأضلها، قاله مجاهد وسعيد بن جبير، لأنه دسّى نفسه في المعاصي، ومنه قول الشاعر‏:‏

وأنت الذي دَسْيت عَمْراً فأصْبَحَتْ *** حلائلهم فيهم أراملَ ضُيّعاً

الثاني‏:‏ إثمنها وفجورها، قاله قتادة‏.‏

الثالث‏:‏ خسرها، قاله عكرمة‏.‏

الرابع‏:‏ كذبها، قاله ابن عباس‏.‏

الخامس‏:‏ أشقاها، قاله ابن سلام‏.‏

السادس‏:‏ جنبها في الخير، وهذا قول الضحاك‏.‏

السابع‏:‏ أخفاها وأخملها بالبخل، حكاه ابن عيسى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 15‏]‏

‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ‏(‏11‏)‏ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ‏(‏12‏)‏ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ‏(‏13‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ‏(‏14‏)‏ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏كذّبَتْ ثمودُ بِطَغْواها‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ بطغيانها ومعصيتها، قاله مجاهد وقتادة‏.‏

الثاني‏:‏ بأجمعها، قاله محمد بن كعب‏.‏

الثالث‏:‏ بعذابها، قاله ابن عباس‏.‏

قالوا كان اسم العذاب الذي جاءها الطّغوى‏.‏

‏{‏فدمْدم عليهم ربهم بذَنْبِهم‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ معناه فغضب عليهم‏.‏

الثاني‏:‏ معناه فأطبق عليهم‏.‏

الثالث‏:‏ معناه فدمّر عليهم، وهو مثل دمدم، كلمة بالحبشية نطقت بها العرب‏.‏

‏{‏فسوّاها‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ فسوى بينهم في الهلاك، قاله السدي ويحيى بن سلام‏.‏

الثاني‏:‏ فسوّى بهم الأرض، ذكره ابن شجرة‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ فسوّى مَن بعدهم مِنَ الأمم‏.‏

‏{‏ولا يخافُ عُقباها‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ولا يخاف الله عقبى ما صنع بهم من الهلاك، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ لا يخاف الذي عقرها عقبى ما صنع من عقرها، قاله الحسن‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ ولا يخاف صالح عقبى عقرها، لأنه قد أنذرهم ونجاه الله تعالى حين أهلكهم‏.‏